الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجى يهجرني لأتفه الأسباب، كيف أتعامل معه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا معلمة، أعمل وأهتم بأولادي في مكان تعليمهم وفي البيت، وأساعد زوجي في النفقة، وهو يرى أن هذا فرضٌ عليَّ ما دمتُ أعمل، إذا تعرض لأزمةٍ مالية وقفتُ بجانبه، ولو طلب مني أي شيءٍ وافقتُه ما دمتُ لا أعصي الله، وطوال عمري لم أقصر في حقه الشرعي.

أحيانًا أكون عصبية من كثرة الضغط، ودائمًا في أوقات الدورة الشهرية، فأقول له: إنك مقصرٌ في حقي، والمفروض أن تساعدني وتنفق عليَّ بحكم أني زوجتك.

بسبب ذلك غضب مني، وهو الآن لا يكلمني أبدًا! أنا من أذهب إليه، لكنه يعذبني عندما أحاول أن أتصالح معه، ويفعل هذا في كل مرة، والله لقد تعبت، وأشعر بأنه ليس عندي كرامة، خصوصًا أني لم أقصر معه يومًا، ودائمًا ما أقف بجانبه، وهو يستغل دائمًا أن أهلي يقاطعونني حتى لا يعطوني إرثي.

لقد تعبت، وحاليًا هو يهجرني ويقول لي: "سأجعلكِ تربين الأولاد عوضًا عن أن أطلقكِ"، ليس عندي من أحدثه، وقد فوضتُ أمري لله!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير، وبعد:

قبل الإجابة نود أن نخبرك بأن إحساسك بالتعب، والظلم، وانكسار الكرامة إحساس مفهوم وطبيعي جداً، وهو نتيجة تراكم طويل من ضغط نفسي، ومسؤوليات غير متوازنة، وصمت اضطررت إليه كثيراً حفاظاً على بيتك وأولادك، فجزاك الله خيرًا.

فأنت -كما ذكرت-امرأة تعمل خارج البيت، وتعمل داخله، وتربي، وتتابع تعليم أولادها، وتساعد زوجها في النفقة، وتقف بجانبه وقت الأزمات، ولم تقصّري -كما تقولين- في حقه الشرعي، ومع ذلك يحملك هو مسؤولية إضافية وكأن عملك فرض، عليك أن تتنازلي عن حقوقك، وهذا أصل المشكلة وليس العصبية ولا الدورة الشهرية، العصبية هنا ليست السبب، بل العرض، لأن النفس إذا ظلمت ولم تُسمع انفجرت في أضعف لحظاتها، وهذا معروف نفسيًا.

أختنا: ما يفعله زوجك -من الهجر التام، وقطع الكلام، واستغلال ضعفك الاجتماعي وقطيعتك مع أهلك- ليس أسلوباً صحياً ولا عدلاً ولا من حسن العشرة، حتى لو كان ينفق أو يقوم ببعض واجباته.

الهجر كسلاح للضغط والإذلال النفسي يترك جرحاً أعمق من أي كلمة؛ لأنه يكسرك من الداخل، ويجعلك تشعرين أنك دائماً المخطئة حتى وأنت مظلومة، وهذا ما جعلك تقولين: (وأشعر بأنه ليس عندي كرامة)، وهذه الجملة وحدها كافية لتدل على أن الأمر تجاوز الخلافات الزوجية العادية.

من المهم أن تعرفي أن مساعدة الزوج في النفقة ليست فرضاً عليك شرعاً، حتى لو كنت تعملين، وما تقدّمينه هو إحسان منك، لا التزاماً، ولا يحق له أن يحوّل الإحسان إلى واجب، ولا أن يعاقبك إذا طالبت المساندة أو الإنفاق أو المشاركة.

أما قوله: (سأجعلكِ تربين الأولاد عوضًا عن أن أطلقكِ)، فهذا كلام موجع؛ لأنه يحملك مسؤولية كاملة ويضعك أمام خيار قاس.

تفويضك أمرك لله خطوة عظيمة، لكن التفويض لا يعني الصمت الدائم، ولا قبول الأذى بلا حدود، التفويض يعني أن تتحركي بحكمة، لا بانكسار.

ما أنصحك به:
- أن تنظري إلى علاقتك بزوجك بوعي أعمق من مجرد من هو المقصّر ومن المظلوم، فلكل رجل نقاط قوة ونقاط ضعف، والمرأة الحكيمة لا تُواجه زوجها دائماً من موضع الصدام، بل تعرف من أي باب تدخل إلى قلبه وعقله، فاجتهدي في اكتشاف نقاط ضعفه النفسية لا لتستغليها، بل لتُحسني التعامل معها؛ لأن كثيراً من الرجال يبدون قساة في الظاهر بينما هم يحملون مشاعر رقيقة للمرأة، لكنهم لا يجيدون ذلك.

- واعلمي أن الودّ والحب يصنعان صناعة، وليس بالضرورة أن يكونا شعورًا فطريًا دائمًا، وهذه الصناعة قد تكون مكلفة زمنياً ونفسياً، وقد تتطلّب صبراً وحكمة وتنازلات محسوبة، لكنها في الغالب تثمر استقرارًا أفضل من الصدام المستمر، فالكلمة الطيبة، والاحتواء، والتغاضي عن بعض التفاصيل الصغيرة، كلّها استثمار طويل المدى، وليس ضعفاً ولا خضوعاً.

- ومن المهم جداً أن تفهمي أن الرجل يشعر بانكسار داخلي عميق إذا كان عاجزاً عن تلبية احتياجات بيته أو يرى نفسه أقل قدرة، وهذا الانكسار لا يُعبّر عنه غالباً بالحزن أو الاعتراف، بل يتحوّل عند بعض الرجال إلى قسوة، أو صمت، أو هجر، كوسيلة دفاع لإثبات الذات، وهنا يأتي دورك في تجاوز هذا الجانب بالحكمة، لا بالمواجهة، وذلك بالثناء عليه في مواضع القوة، وعدم إشعاره -ولو من غير قصد- بأنه أقل منك، أو أنك تحمّلت ما عجز عنه؛ لأن هذا الشعور إذا استقرّ في نفسه أفسد المودّة وأشعل العناد.

- أما القطيعة بينك وبين أهلك، فحاولي بجدّ أن تصلحيها قدر المستطاع، وهذا لا يعني التنازل عن حقوقك ولا السكوت عن الظلم، بل يعني صلة الرحم من باب القربة إلى الله أولاً، ثم لأنها ستخفف عنكِ عبئاً نفسياً كبيراً، ولن تتركي نفسك وحدك بلا ظهر اجتماعي، فالإنسان حين يكون معزولاً يسهل الضغط عليه، وحين يكون له أهل -ولو بحدود- يشعر بقوة داخلية أكبر، وهذا ينعكس حتى على طريقة تعامل الزوج معك.

- حاولي أن تختاري وقت الكلام بعناية، فلا يكون في ذروة غضبك ولا في أوقات دورتك الشهرية حيث تكون الأعصاب مرهقة، بل في وقت هدوء، وبنبرة طلب لا اتهام، لأن الرجل غالباً يسمع الطلب أكثر مما يسمع الشكوى، كذلك خفّفي قدر الإمكان من تكرار المبادرة بالصلح وأنت مجروحة، ليس عناداً، بل حتى لا يعتاد أن الهجر وسيلة ناجحة دائماً، فالصمت الهادئ أحياناً أبلغ من كثرة الكلام.

- ولا تنسي أن تُخففي الحمل عن نفسك أيضاً، فأنت لست مطالبة بأن تكوني الزوجة المثالية دائماً، ولا الأم الخارقة، ولا الموظفة التي لا تتعب، خفّفي من جلد ذاتك، واسمحي لنفسك بالراحة؛ لأن المرأة المرهَقة يصعب عليها أن تكون حكيمة مهما كانت نيتها طيبة.

- حافظي على الأذكار، والرقية الشرعية، وقراءة سورة البقرة كل ليلة في البيت أو الاستماع إليها، مع الدعاء له بالهداية والصلاح، فإن الدعاء سلاح المؤمن والقلوب بيد الله تعالى.

- استمرّي في تفويض أمركِ لله، لكن مع السعي، فالتفويض لا يُلغي الحكمة، ولا يمنع اتخاذ خطوات إصلاحية، والله لا يضيع امرأةً صبرت وأحسنت وبذلت.

انظري إلى ما تمرّين به على أنه ابتلاء من ابتلاءات الحياة، لا علامة فشل ولا سوء اختيار، فهذه الدنيا لم تُخلق لتكون دار راحة كاملة لأحد، وإنما هي دار امتحان تتنوّع فيه صور البلاء، فمن النساء من تبتلى بمرض عضوي لا دواء له، ومنهن من تكون في العشرين من عمرها وتعاني مرض الكُلى، تعيش على الغسيل ثلاث مرات في الأسبوع، وتقضي الأيام الأربعة الأخرى في تعبٍ وألم، وغاية أمنيتها أن يمرّ عليها يوم واحد بلا وجع، ومنهن من تعيش حياتها كلها وتتزوج وتستقر ثم تموت ولم يُكتب لها ولد، مع أن فطرتها تتوق إليه ليل نهار، ومنهن من تبتلى بالفقر، أو الغربة، أو الوحدة، أو القلق، أو سوء العشرة، وكل يحمل امتحانه على قدر طاقته لا على قدر تمنّيه.

والعبرة في كل ذلك أن هذه الدنيا دار اختبار لا دار جزاء، وأن العدل الكامل والراحة الكاملة ليست هنا، بل هناك، وما أنت فيه -مهما كان مؤلماً- داخل في هذا الميزان، لا يعني أن عليك السكوت عن الظلم، ولا أن تهملي نفسك، لكنه يعني أن تنظري إلى صبرك على أنه عبادة، وإلى حفاظك على بيتك وأولادك على أنه جهاد يومي صامت لا يراه الناس، لكنه عند الله عظيم الأجر.

وختامًا: أنت مأجورة على صبرك، مأجورة على نيتك، مأجورة على محاولات الإصلاح، مأجورة على كل مرة كسرتِ فيها غضبك حفاظاً على بيتك، ومأجورة حتى على دمعتك التي لم يرها أحد؛ لأن الله لا يضيع تعب من أحسن وأخلص، وقد لا تتغيّر الأمور سريعاً، لكن ثبات الأجر أكيد، وتخفيف الحمل يكون أحياناً بالمعنى قبل أن يكون بالواقع.

فاصبري صبر الحكيمة لا صبر المنكسرة، واحتسبي وأنت تعملين وتُصلحين وتضعين حدوداً، واعملي بالأسباب، واتركي النتائج على الله، لأنك لست مطالبة بحمل كل شيء وحدك، وإنما مطالبة بأن تؤدي ما استطعت، والله يكتب أجرك ويعينك ويهدي زوجك، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً